منذ سنة 1993، لم يُنفَّذ أيُّ حكم إعدام في الجزائر…
مرت ثلاث وثلاثون سنة منذ آخر إعدام. ثلاثة وثلاثون عامًا ظلت خلالها عقوبة الإعدام مدرجة في تشريعاتنا، بينما امتنعت الدولة الجزائرية عن تنفيذها. و لهذا السبب تُعتبر الجزائر اليوم بلدًا ملغيًا لعقوبة الإعدام من الناحية العملية، حتى وإن كان تشريعها لا يزال ينص على هذه العقوبة.
في ديسمبر 2025، صوتت الجزائر مرة أخرى لصالح قرار الأمم المتحدة بشأن الوقف الاختياري لتنفيذ عقوبة الإعدام. مؤكدة بهذا التصويت موقفها المؤيد لإلغاء هذه العقوبة. غير أن هذا الموقف السياسي يتناقض مع السياسة الجنائية التي شهدت منذ عام 2021 تعديلات متتالية تخص عقوبة الإعدام في قانون العقوبات الجزائري. علاوةً على ذلك، تمرير مشروع قانون كهذا لن يكون متوافقًا مع الدستور الذي يكرس سمو التزامات الجزائر الدولية على التشريعات الوطنية.
ولهذا السبب، ندعو السلطات الجزائرية إلى إلغاء عقوبة الإعدام نهائيا، و ذلك حتى لا تضعف مصداقيتها ومكانتها في مختلف الهيئات الدولية والإقليمية.
يأتي مشروع تعديل قانون العقوبات الحالي في لحظة خاصة. فالحرائق التي ضربت البلاد خلفت خسائر بشرية وأضرار بالغة. وهي تستدعي إجراء تحقيقات جادة وتحديد المسؤوليات وحماية الضحايا وأُسَرهم، فضلاً عن وضع سياسات وقائية واستجابة مناسبة.
يمكن الوفاء بواجب المساءلة هذا على أكمل وجه بتوجيه من حماية حقوق الإنسان والضحايا، ما يغني عن اللجوء إلى عقوبة الإعدام وما قد يترتب عنها.
تنص المادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي تُعدّ الجزائر طرفًا فيه، على إطار صارم لاستخدام عقوبة الإعدام وتقصرها على «أشد الجرائم خطورة». وتفسّر لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة هذا المفهوم تفسيرًا مقيِّدًا، وتربطه بالجرائم البالغة الخطورة التي تتضمن القتل العمد.
ومع ذلك، تنص بعض أحكام مشروع التعديل على عقوبة الإعدام حتى في الحالات التي لا يلقى فيها أي شخص حتفه. وينطبق ذلك بوجه خاص على بعض حالات الحريق المتعمد.
كما لا يكتفي المشروع بالحفاظ على عقوبة الإعدام في الجرائم التي تنطبق عليها أصلا. بل انه يوسّع نطاقها ليشمل حالات جديدة، بما في ذلك أشكال معينة من الاختطاف والعنف ضد الأطفال، بالإضافة إلى عدة فئات من الحرائق العمدية والمشاركة فيها.
وينص المشروع على العقوبة القصوى نفسها لدرجات متفاوتة من المشاركة – التحريض ; التمويل ; التنظيم ; المشاركة ; الإعداد أو التيسير– في حين أن المسؤولية الفردية قد تكون ذات طبيعة ودرجة متفاوتتين للغاية. و يستبعد في بعض هذه الجرائم المستحدثة الظروف المخففة.
هذه المسائل ليست نظرية. عندما تكون العقوبة لا رجعة فيها، تكتسي دقة القانون و تفريد العقوبة ومراعاة ظروف كل قضية أهمية خاصة، بسبب استحالة التدارك بعد التنفيذ.
إن السنوات الثلاث والثلاثين من وقف تنفيذ عقوبة الإعدام ليست فترة هامشية بلا أهمية، بل هي بالأحرى تعبير عن رفض هذه العقوبة. و لنتذكّر أيضا أن الجزائر لم تتراجع عن وقف التنفيذ في التسعينيات، رغم ارتكاب انتهاكات جسيمة على مدى سنوات، ودون أن يطالب الشعب أو الدولة بالعودة إلى تنفيذ الإعدام. إذ لا تزال المعاناة والصدمات حاضرة حتى الآن…
ولو عدنا إلى ماهو أبعد من ذلك، فذاكرتنا لم تنس صوت المقصلة، ولا زغاريد النساء من القصبة الى أسوار سجن سركاجي، ولا أسماء من أزهقت أرواحهم بقرار قضائي صدر باسم نظام سياسي لم يكن نظامهم.
بالطبع، السياقات التاريخية ليست قابلة للمقارنة، لكن ذاكرتنا الوطنية تتشكّل من مظالمها ومعاناتها وصدماتها.
ويذكّرنا تاريخنا بأن استقلال الجزائر لم يكرّس سيادة الدولة فحسب، بل حمل قبل ذلك فكرةً معينة عن الحق في الحياة والكرامة الإنسانية والحرية والمساواة بين الرجال والنساء الذين يعيشون على هذه الأرض المروية بالدماء.
فبعد أكثر من ثلاثة عقود دون اللجوء الى التنفيذ، تقف الجزائر اليوم أمام خيار يتجاوز مجرد إصلاح قانون العقوبات. بل يطرح سؤال ” أي نظام قانوني نرغب في بنائه اليوم؟ ”
علينا أن نميز بين أمرين قد يؤدي الألم الجماعي بسهولة إلى الخلط بينهما : الحاجة إلى تحقيق العدالة والرغبة في الانتقام.
فعقوبة الإعدام عقوبة قاسية ولا إنسانية، أقرب إلى انتقام تنظّمه الدولة على أن تكون لتحقيق العدالة .هده الاخيرة التي يمكن تُنصف الأسر دون أن تجعل من الموت ردًّا رسميًا. علاوةً على ذلك، هذه العقوبة غير فعّالة لأنها لا تُخفض معدلات الجريمة ولا تُحسّن أمننا. من ناحية أخرى، يشكّل ذلك انتهاكًا لا رجعة فيه للإنسانية بدافع الخوف، مع تجاهل تام للقانون الدولي المتعلق بحقوق الإنسان.
وعلى الرغم من أن أقلية من الدول لا تزال تطبّق عقوبة الإعدام، فإن الرياح تتغيّر، وما هي إلا مسألة وقت قبل أن يتحرر العالم من ظلال المشانق.
لهذا السبب، يجب على الجزائر أن تنضم إلى الديناميكية العالمية من خلال الإلغاء النهائي و الكلي لعقوبة الإعدام، على غرار دول كثيرة طوتها في صفحات التاريخ المظلمة، كالسنغال وجنوب إفريقيا، ومؤخرًا لبنان، على سبيل المثال لا الحصر.
ولعلّ تاريخ الجزائر يمنحنا، ربما أكثر من غيره، أسبابًا لتقدير ما يعنيه عبور هذه العتبة.


