قالت منظمة العفو الدولية اليوم إن القضاة في تونس الذين جاهروا بآرائهم ضد هجمات قيس سعيّد وحكومته على استقلال القضاء، لا يزالون يواجهون أعمالًا انتقامية ومضايقات بسبب ممارسة حقهم في حرية التعبير ودفاعهم عن سيادة القانون؛ ويأتي ذلك قبيل محاكمة أنس الحمادي، القاضي بمحكمة الاستئناف بالمنستير ورئيس جمعية القضاة التونسيين، بتهم لا أساس لها بـ”تعطيل حرية العمل”، والمقررة في 26 مارس/آذار.
وقالت سارة حشاش، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية: “أنس الحمادي قاضٍ شجاع رفض الصمت وجاهر برأيه دفاعًا عن استقلال القضاء وتنديدًا بتدخل السلطة التنفيذية. وتشكل ملاحقته القضائية، والاستخدام المسيء والمتواصل لنظام العدالة الجنائية لاستهدافه ومضايقته، أعمالًا انتقامية بسبب ممارسته لحقوقه في حرية التعبير، والتجمع السلمي، وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها، وكذلك بسبب دفاعه عن مهنته. وتمثل قضية القاضي أنس الحمادي مثالًا صارخًا على الأعمال الانتقامية المستمرة التي يواجهها القضاة الذين يجرؤون على رفع صوتهم.
يجب أن يكون القضاة قادرين، بشكل فردي وجماعي، على المشاركة في النقاش العام بشأن تنظيم القضاء وعمله واستقلاله، بدون خوف من الترهيب أو المضايقة أو الملاحقة الجنائية. ويتعين على السلطات التونسية إسقاط جميع التهم الموجهة إلى القاضي أنس الحمادي لأنها تنبع فقط من ممارسته السلمية لحقوقه الإنسانية”.
يجب أن يكون القضاة قادرين على المشاركة في النقاش العام بشأن تنظيم القضاء وعمله واستقلاله، بدون خوف من الترهيب أو المضايقة أو الملاحقة الجنائية.
منذ 2022 يواجه أنس الحمادي، وهو رئيس جمعية القضاة التونسيين، إجراءات تأديبية وجنائية تعسفية انتقامًا على جهود الجمعية في مواصلة الطعن في الاعتداءات على استقلال القضاء، بالإضافة إلى حملة تشهير على الإنترنت قادتها صفحات موالية للرئيس قيس سعيّد على فيسبوك. وقد كان من أبرز المدافعين عن استقلال القضاء، حيث ظهر مرارًا في وسائل الإعلام وأدلى بتصريحات علنية خلال فعاليات المجتمع المدني دعمًا لمواقف الجمعية. وفي حال إدانته، قد يواجه عقوبة السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.
وبعد قرار الرئيس قيس سعيّد، في 1 جوان/حزيران 2022، بعزل 57 قاضيًا بإجراءات موجزة، قادت جمعية القضاة التونسيين مع غيرها من جمعيات القضاة إضرابًا على مستوى البلاد لمدة أربعة أسابيع احتجاجًا على هذه الإعفاءات التعسفية. في أعقاب الإضراب، استُدعيَ أنس الحمادي لاستجوابه، باعتباره رئيس جمعية القضاة التونسيين، أربع مرات خلال الفترة من جويلية/تموز إلى أوت/آب 2022.
محاكمة بتهم تعطيل لا أساس لها
في أكتوبر/تشرين الأول 2022، وعقب قرار المجلس الأعلى للقضاء برفع الحصانة القضائية عن أنس الحمادي بناءً على طلب النيابة، فتح وكيل الجمهورية في المحكمة الابتدائية بالمنستير تحقيقًا جنائيًا ضد أنس الحمادي في ما يتصل بما زُعم عن أنه “حرَّض” قضاة آخرين في محكمة المنستير على الإضراب عن العمل، في جوان/حزيران وجويلية/تموز 2022.
ويُلاحَق الحمادي بموجب الفصل 136 من المجلة الجزائية بتهمة “تعطيل حرية العمل”، وهي تهمة تُستخدم كثيرًا لردع أو معاقبة المشاركين في الإضرابات والاحتجاجات الاجتماعية.
ونُقلت القضية مرارًا من جهة إلى أخرى خلال مرحلة التحقيق، قبل أن يُحال الحمادي في نهاية المطاف إلى المحاكمة ويُوجَّه إليه الاتهام، بدون أن يخضع للاستجواب إطلاقًا من قبل قاضي التحقيق، مما يقوّض حقوقه في محاكمة عادلة، بما في ذلك الحق في الدفاع.
كما يواجه الحمادي تهمًا جنائية في تحقيق منفصل لم يصل بعد إلى مرحلة المحاكمة. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، أصدرت جمعية القضاة التونسيين بيانًا تندد فيه بسجن المحامي الحقوقي العياشي الهمامي، الذي مثّل عددًا من القضاة. وبعد ذلك بوقت قصير، حذّر الحمادي، خلال فعالية نظمتها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، من مخاطر تقويض ضمانات المحاكمة العادلة وتسييس القضاء. وأشار تحديدًا إلى أحكام صادرة عن محكمة الاستئناف بتونس في أواخر عام 2025 ضد أعضاء في المعارضة السياسية.
وبعد ذلك، فتح وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس ثلاثة تحقيقات ضده بتهم تتعلق بالقذف والتشهير، متجاوزًا الضمانات الدستورية التي تنظم الملاحقات الجنائية بحق القضاة.
مخاطر تهدد جمعية القضاة التونسيين
منذ استيلاء الرئيس سعيّد على السلطة في عام 2021، وثّقت جمعية القضاة التونسيين وكشفت عن تدخلات السلطة التنفيذية في استقلال القضاء، عبر إصدار بيانات، والتعاون مع منظمات حقوقية دفاعًا عن ضمانات المحاكمة العادلة، ودعم القضاة الذين يواجهون أعمالًا انتقامية بسبب تمسكهم باستقلالهم.
ومع تصاعد حملة القمع ضد الجمعيات المستقلة خلال العامين الماضيين، تلقت جمعية القضاة التونسيين في جانفي/كانون الثاني 2026 إنذارين من إدارة رئاسة الحكومة، يفيدان بأن الجمعية غير ممتثلة لبعض أحكام المرسوم عدد 88 المتعلق بالجمعيات. وادّعت السلطات أن جمعية القضاة التونسيين كانت تعمل خارج نطاق ولايتها، وتدعم أطرافًا سياسية، وتشارك في التحريض، إلى جانب ادعاءات بوجود مخالفات مالية ومخالفات في التقارير. وفي حين قدّمت جمعية القضاة التونسيين الوثائق ذات الصلة لدحض هذه الادعاءات، إلا أنها لا تزال عرضة لخطر التعليق ثم الحل، وهو مصير تشاركته العديد من الجمعيات الحقوقية في تونس خلال العام الماضي.
وختمت سارة حشاش بالقول: “منذ أن حلَّ الرئيس قيس سعيّد المجلس الأعلى للقضاء، وعزل القضاة بناءً على اتهامات مبهمة في 2022، استمرت مضايقة القضاة والتدخل غير المشروع في عملهم في محاولة لخنق المعارضة السلمية وجعل المساءلة بعيدة المنال.
تثير الملاحقة المستمرة ضد جمعية القضاة التونسيين ورئيسها مخاوف جدية بشأن إساءة استخدام نظام العدالة الجنائية لاستهداف الأفراد ومضايقتهم بسبب أنشطتهم المهنية والحقوقية المشروعة. وإنَّ استهداف السلطات التونسية للحمادي من خلال إجراءات تأديبية وجنائية مسيئة ينتهك المعايير الدولية، ويجب أن يتوقف فورًا.
يتعيّن على السلطات أن تضع حدًا لمضايقة أنس الحمادي وغيره من القضاة، وأن تتيح لهم ممارسة حقَّيْهم في حرية التعبير وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها بحرية وبدون خوف من الانتقام. ويجب عليها أن تحترم استقلال القضاء وسيادة القانون”.
خلفية
ففي 1 جوان/حزيران 2022، أصدر الرئيس سعيّد مرسوم عدد 35 لسنة 2022، الذي سمح له بإقالة أي قاضٍ بناءً على مفاهيم غامضة وبدون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة. وفي اليوم نفسه، أعلن عزل 57 قاضيًا ووكيلًا للنيابة، مُتهمًا القُضاة “بعرقلة التحقيقات المتعلقة بالإرهاب”، و”الفساد المالي”، و”الفساد الأخلاقي”.
وعلى الرغم من قرار المحكمة الإدارية بتونس الصادر في أوت/آب 2022، والذي يأمر بإعادة 49 من القضاة الذين عُزلوا، لم تُعدْ وزارة العدل أيًا من القضاة إلى مناصبهم. وعلاوة على ذلك، لا يزال القضاة والمؤسسات القضائية الذين تصرفوا بشكل مستقل يواجهون الترهيب والمضايقة.
وقد عارضت جمعية القضاة التونسيين هذه التدابير علنًا، ونددت بالتدخل غير المشروع من جانب السلطة التنفيذية. وأفادت جمعية القضاة التونسيين في بيان صادر في أفريل/نيسان 2024، بأن وزيرة العدل أمرت، منذ أوت/آب 2023، بتعيين ونقل وتعليق ما لا يقل عن 105 من القضاة والوكلاء العامين من خلال مذكرات عمل تنفيذية. كما أفادت الجمعية بوقوع عدة حالات إيقاف عن العمل خارج أي إطار تأديبي رسمي.
تأسست جمعية القضاة التونسيين في عام 1990، ولطالما عُرفت بمواقفها الصريحة. ومنذ عام 2011، أصبحت صوتًا بارزًا في إصلاح القضاء، وشاركت بنشاط في عملية إصلاح القوانين المتعلقة بالسلطة القضائية، ودعت إلى تحقيق العدالة الانتقالية والمساءلة.
وفقًا لمبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، “تكون للقضاة الحرية في تكوين جمعيات للقضاة أو غيرها من المنظمات لتمثيل مصالحهم والنهوض بتدريبهم المهني وحماية استقلالهم القضائي، وفي الانضمام إليها”.
في جانفي/كانون الثاني 2026، أعرب خبراء الأمم المتحدة — بمن فيهم المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين — عن قلق بالغ إزاء هذه المحاولة الجديدة لتجريم القاضي الحمادي بسبب تصريحات أدلى بها بصفته رئيسًا لجمعية القضاة التونسيين. وحذّر الخبراء من أن ملاحقة القضاة بسبب التعبير عن آرائهم بشأن مسائل ذات مصلحة عامة تقوّض سيادة القانون وتشكل عملًا انتقاميًا ضد الممارسة المشروعة للحقَّيْن في حرية التعبير وتكوين الجمعيات أو الانضمام إليها.


